العيني

298

عمدة القاري

الجوهري : هي لغة حجازية ، يقال : قصص داره أي : جصصها . ويقال : القصة القطنة والخرقة البيضاء التي تحتشى بها المرأة عند الحيض . وقال القزاز : القصة الجص ، هكذا قرأته بفتح القاف وحكيت بالكسر . وفي ( الغريبين ) و ( المغرب ) و ( الجامع ) : القصة شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله . وفي ( المحيط ) من كتب أصحابنا : القصة الطين الذي يغسل به الرأس . وهو أبيض يضرب إلى الصفرة . وجاء في الحديث : ( الحائض لا تغتسل حتى تري القصة البيضاء ) . إي : حتى تخرج القطن التي تحتشي بها كأنها جصة لا تخالطها صفرة . قلت : أريد بها التشبيه بالجصة في البياض والصفاء ، وأنث لأنه ذهب إلى المطابقة ، كما حكى سيبويه من قولهم : لبنة وعسلة . وقال ابن قرقول : قد فسر مالك القصة بقوله : تريد بذلك الطهر ، أي : تريد عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، بقولها : ( حتى ترين القصة البيضاء ) : الطهر من الحيضة . وفسر الخطابي بقوله : تريد البياض التام . وقال ابن وهب في تفسيره : رأت القطن الأبيض كأنه هو ، وقال مالك : سألت النساء عن القصة البيضاء ، فإذا ذلك أمر معلوم عند النساء يرينه عند الطهر . وروى البيهقي من حديث ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن فاطمة بنت محمد ، وكانت في حجر عمرة . قالت : أرسلت امرأة من قريش إلى عمرة كرسفة قطن فيها . أظنه أراد الصفرة تسألها إذا لم تر من الحيضة إلاَّ هذا طهرت ؟ قال : فقالت : لا حتى ترى البياض خالصا . وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك ، فإن رأت صفرة في زمن الحيض ابتداء فهو حيض عندهم . وقال أبو يوسف : لا حتى يتقدمها دم . وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيدِ بنِ ثابِتٍ أنَّ نِساءً يَدْعُونَ بالمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ ما كانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة ، لأن نظر النساء إلى الطهر لأجل أن يعلمن إدبار الحيض . وأخرجه مالك في ( الموطأ ) عن عبد الله بن أبي بكر عن عمته عن ابنة زيد بن ثابت أنه : بلغنا . . . فذكره ، وعمة ابن أبي بكر اسمها عمرة بنت حزم ، ووقع ذكر بنت زيد بن ثابت ههنا هكذا مبهما ، ووقع في ( الموطأ ) ، وقال الحافظ الدمياطي : لزيد بن ثابت من البنات : أم إسحاق وحسنة وعمرة وأم كلثوم وأم حسن وأم محمد وقريبة وأم سعد . وفي ( التوضيح ) : ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم سعد ، ذكرها ابن عبد البر في الصحابيات ، وقال بعضهم : ولم أر لواحدة منهن يعني من بنات زيد رواية إلاَّ لأم كلثوم ، وكانت زوج سالم بن عبد الله بن عمر ، فكأنها هي المبهمة هنا . وزعم بعض الشراح أنها أم سعد . قال لأن ابن عبد البر ذكرها في الصحابة ، ثم قال هذا القائل : وليس في ذكره لها دليل على المدعى ، لأنه لم يقل : إنها صاحبة هذه القصة ، بل لم يأت لها ذكر عنده ولا عند غيره إلاَّ من طريق عنبسة بن عبد الرحمن ، وقد كذبوه ، وكان مع ذلك يضطرب فيها ، فتارة يقول : بنت زيد ، وتارة يقول : امرأة زيد . ولم يذكر أحد من أهل المعرفة بالنسب في أولاد زيد من يقال لها أم سعد . انتهى . قلت : ذكره الذهبي ، فقال : أم سعد بنت زيد بن ثابت . وقيل : امرأته ، وأيضا عدم رؤية هذا القائل رواية الواحدة من بنات زيد إلاَّ لأم كلثوم لا ينافي رواية غيرها من بناته ، لأنه ليس من شأنه أن يحيط بجميع الروايات . وقوله : زعم بعض الشراح ، أراد به صاحب ( التوضيح ) ، فليت شعري ما الفرق بين زعم هذا وزعمه هو حيث قال : فكأنها هي المبهمة ، أي : أم كلثوم هي المبهمة في هذا الأثر ؟ على أن صاحب ( التوضيح ) ما جزم بما قاله ، بل قال : ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم سعد . قوله : ( إن نساء ) هكذا وقع في غالب النسخ بدون الألف واللام ، وفي بعضها : ( إن النساء ) ، بالألف واللام ، حتى قال الكرماني : إن اللام ، للعهد عن نساء الصحابة ، وبدون اللام أعم وأشمل . قوله : ( يدعون ) بلفظ الجمع المؤنث ، ويشترك في هذه المادة الجمع المذكر والمؤنث ، وفي التقدير مختلف ، فوزن الجمع المذكر : يفعون ، ووزن الجمع المؤنث : يفعلن ، ومعنى : يدعون بالمصابيح ؛ يطلبنها لينظرن بها إلى ما في الكراسيف حتى يقفن على ما يدل على الطهر . وفي رواية الكشميهني : يدعين ، قاله بعضهم : قلت : في نسبة هذا إليه نظر لا يخفى ، ثم قال هذا القائل : قال صاحب ( القاموس ) : دعيت لغة في دعوت . قلت : أراد بهذا تقوية صحة ما رواه عن الكشميهني ، ولا يفيده هذا ، لأن صاحب ( القاموس ) تكلم فيه . قوله : ( إلى الطهر ) أي : إلى ما يدل على الطهر من القطنة . قوله : ( وعابت عليهن ) ، أي : عابت بنت زيد بن ثابت على النساء المذكورة ، وإنما عابت عليهن لأن ذلك يقتضي الحرج وهو مذموم ، وكيف لا وجوف الليل ليس إلاَّ وقت الاستراحة ؟ وقيل : لكون ذلك كان في غير وقت الصلاة ، وهو جوف الليل . قال بعضهم : فيه نظر ، لأنه وقت العشاء . قلت : فيه نظر لأنه لم يدل شيء أنه